أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
55
التوحيد
يفضل عنه ، مع ما يذم ذا من فعل الملوك أن لا يفضل عنهم من المعامد شيئا . وبعد ، فإن في ذلك تجزئة بما كان بعضه في ذي أبعاض ، وبعضه يفضل عن ذلك ، وذلك كله وصف الخلائق ، واللّه يتعالى عن ذلك . وبعد ، فإنه ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من المكان للجلوس أو القيام شرف ولا علوّ ولا وصف بالعظمة والكبرياء ، كمن يعلو السطوح أو الجبال إنه لا يستحق الرفعة على من دونه عند استواء الجوهر ، فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه ، مع ما فيها ذكر العظمة والجلال ، إذ ذكر في قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ الأعراف : 54 ] ، فدلّك على تعظيم العرش ، أي شيء كان من نور أو جوهر لا يبلغه علم الخلق . وقد روي عن نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه وصف الشمس أن جبريل يأتيها بكفّ من ضوء العرش فيلبسها كما يلبس أحدكم قميصه كل يوم تطلع ، وذكر في القمر كفّا من نور العرش « 1 » ، فإضافة الاستواء إليه لوجهين : أحدهما على تعظيمه بما ذكره على أثر ذكر سلطانه في ربوبيته وخلقه ما ذكر ، والثاني على تخصيصه بالذكر بما هو أعظم الخلق وأجلّه ، على المعروف من إضافة الأمور العظيمة إلى أعظم الأشياء كما يقال : تمّ لفلان ملك بلد كذا واستوى على موضع كذا ، لا على خصوص ذلك في الحق ، ولكن معلوم أن من له ملك ذلك فما دونه أحقّ ، وعلى ذلك قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] ، بما صارت له أمّ القرى وأيس الذين كفروا من دينهم ، وكذا ما ذكر من إرسال الرسل إلى الفراعنة وإلى أمّ القرى لا يتخصص ذلك ولكن بذكر عظم الأمر ، فمثله أمر العرش ، وهو كقوله : أَكابِرَ مُجْرِمِيها [ الأنعام : 123 ] ، وقوله : أَمَرْنا مُتْرَفِيها [ الإسراء : 16 ] على لحوق غير بهم ، ويحتمل أن يكون على المنفيّ بوصف المكان إذ هو أعلى الأمكنة عند الخلق ، ولا تقدّر العقول فوقه شيئا ، فأشار إليه ليعلم علوّه عن الأمكنة وتعاليه عن الحاجة ، وعلى ذلك قوله : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [ المجادلة : 7 ] ، والنجوى ليس من نوع ما يضاف إلى المكان ، ولكن يضاف إلى الأفراد ، فأخبر بعلوّه عن الأمكنة وتعاليه عن أن يخفي عليه شيء ، ثم بقدرته بقوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] أي بالسلطان والقوة وبألوهيته في البقاع كلها ؛ لأنها أمكنة العبادة ، وبقوله : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ [ الزخرف : 84 ] ، ويملك كل شيء بقوله : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الفرقان : 2 ] ، ثم بعلوّه وجلاله بقوله : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ [ الأنعام : 18 ] ، وقوله : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الأنعام : 101 ] ، وقوله : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ هود : 4 ] ، فجمع في هذه الأحرف ما فرّق في تلك ليعلم
--> ( 1 ) هذان الأثران لم أجدهما فيما لدي من مصادر ومراجع .